السيد كمال الحيدري
104
المعاد روية قرآنية
يقع فيه تغيير ؛ لقوله سبحانه : وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ( النحل : 96 ) وهو الأجل المحتوم الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل : فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ( النحل : 61 ) . ومن ثمّ فإنّ هذا الأجل هو الموجود في أُمّ الكتاب ، ولا بداء فيه ؛ لأنّ أُمّ الكتاب يتطابق مع الحوادث من جهة استنادها إلى الأسباب العامّة التي لا تتخلّف عن تأثيرها . أمّا الثاني فهو الذي أطلقت عليه الآية ثُمَّ قَضَى أَجَلًا حيث جاء مبهماً ، وهو الأجل المعلّق غير المحتوم ، وفيه يقع البداء ، لأنّه قابل للتغيير حيث يتوقّف تحقّقه على تحقّق شرطه ، وهو الموجود في لوح المحو والإثبات القابل للانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى الأسباب الناقصة . بتعبير آخر يفيد قوله : وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وجود نحو من الأجل والتقدير الإلهى لا يتبدّل ولا يتغيّر ولا يزول ، بل هو باقٍ ؛ لقوله : وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ . وبقرينة المقابلة يتبيّن أنّ قوله : قَضَى أَجَلًا يفيد أنّ هذا قابل للزوال والتبدّل والتغيّر ، وإلّا لو كان قَضَى أَجَلًا ثابتاً أيضاً وباقياً لا يزول ولا يتبدّل ، لم يكن ثمّ معنى لقوله : قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ . بالإضافة إلى دلالة الآية على الأجلين يُلحظ أنّ البحث التفسيري يثبت هو الآخر اتّفاق تفاسير المدرستين على الدلالة نفسها بصرف الأجل المطلق في قوله : قَضَى أَجَلًا إلى لوح المحو والإثبات ، بالنحو الذي يكون فيه هذا الأجل قابلًا للتبدّل والتغيّر ، في حين حُمل وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ على أُمّ الكتاب يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ( الرعد : 39 ) ، الذي هو الكتاب المبين واللوح المحفوظ والكتاب المكنون ونحو ذلك . في هذا الضوء انتهى هؤلاء إلى أنّ الأجل أجلان : محتوم ، وآخر معلّق أو موقوف .